محمد بن جرير الطبري

319

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ( 139 ) } قال أبو جعفر : أما قوله جل ثناؤه : " الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " ، فمن صفة المنافقين . يقول الله لنبيه : يا محمد ، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني " أولياء " = يعني : أنصارًا وأخِلاء ( 1 ) = " من دون المؤمنين " ، يعني : من غير المؤمنين ( 2 ) = " أيبتغون عندهم العزة " ، يقول : أيطلبون عندهم المنعة والقوة ، ( 3 ) باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي ؟ = " فإن العزة لله جميعًا " ، يقول : فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاءَ العزة عندهم ، هم الأذلاء الأقِلاء ، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين ، فيلتمسوا العزَّة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة ، الذي يُعِزّ من يشاء ويذل من يشاء ، فيعزُّهم ويمنعهم ؟ * * * وأصل " العزة " ، الشدة . ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة ، " عَزَاز " . وقيل : " قد استُعِزَّ على المريض " ، ( 4 ) إذا اشتدَّ مرضه وكاد يُشفى . ويقال : " تعزز اللحمُ " ، إذا اشتد . ومنه قيل : " عزّ عليّ أن يكون كذا وكذا " ، بمعنى : اشتد عليَّ . ( 5 ) * * *

--> ( 1 ) انظر تفسير " الولي " فيما سلف ص : 247 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك . ( 2 ) انظر تفسير " من دون " فيما سلف ص : 247 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك . ( 3 ) انظر تفسير " الابتغاء " فيما سلف ص : 202 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . ( 4 ) " استعز " بالبناء للمجهول ، وفي الحديث : " أنه استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه " ، أي : اشتد به المرض وغلبه وأشرف على الموت . وقوله : " وكاد يشفى " ، أي : يشرف على الهلاك ، أشفى يشفى إشفاء . ( 5 ) انظر تفسير " العزة " و " عزيز " فيما سلف 3 : 88 / 4 : 244 / 6 : 168 ، 271 ، 476 . هذا ، ولم يفسر أبو جعفر معنى " العزة " تفسيرًا مطولا إلا في هذا الموضع ، وهذا دليل آخر على طريقته في اختصار تفسيره هذا .